القرطبي
235
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له . ومعنى " إلا النار " أي إنه حرام يعذبهم الله عليه بالنار ، فسمي ما أكلوه من الرشاء نارا لأنه يؤديهم إلى النار ، هكذا قال أكثر المفسرين . وقيل : أي إنه يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة . فأخبر عن المآل بالحال ، كما قال تعالى : " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نار ( 1 ) " [ النساء : 10 ] أي أن عاقبته تؤول إلى ذلك ، ومنه قولهم : * لدوا للموت وابنوا للخراب ( 2 ) قال : * فللموت ما تلد الوالدة * آخر : * ودورنا لخراب الدهر نبنيها * وهو في القرآن والشعر كثير . قوله تعالى : " ولا يكلمهم الله " عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم ، يقال : فلان لا يكلم فلانا إذا غضب عليه . وقال الطبري : المعنى " ولا يكلمهم " بما يحبونه . وفي التنزيل : " اخسئوا فيها ولا تكلمون ( 3 ) " [ المؤمنون : 108 ] . وقيل : المعنى ولا يرسل إليهم الملائكة بالتحية . " ولا يزكيهم " أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم . وقال الزجاج : لا يثني عليهم خيرا ولا يسميهم أزكياء . و " أليم " بمعنى مؤلم ، وقد تقدم ( 4 ) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر ) . وإنما خص هؤلاء بأليم العذاب وشدة العقوبة لمحض المعاندة والاستخفاف الحامل لهم على تلك المعاصي ، إذ لم يحملهم على ذلك حاجة ، ولا دعتهم إليه ضرورة كما تدعو من لم يكن مثلهم . ومعنى " لا ينظر إليهم " لا يرحمهم ولا يعطف عليهم . وسيأتي في " آل عمران ( 5 ) " إن شاء الله تعالى .
--> ( 1 ) راجع ج 5 ص 53 . ( 2 ) اختلف في أنه حديث أو غير حديث . راجع كشف الخفاء ج 2 ص 140 . ( 3 ) راجع ج 12 ص 153 . ( 4 ) راجع ج 1 ص 198 . ( 5 ) راجع ج 4 ص 119 .